اقتضت مشيئة الله سبحانه أن تكون ( الأرض ) مستقر آدم عليه السلام حينما خرج من الجنة ، والمحيط الذي يعيش فيه الإنسان ، والدار التي جُعِلَتْ له امتحانا وابتلاء ... منها خلق الله تعالى أبا البشر وذريته وإليها يعودون بعد الموت، ومنها يُخْرجون يوم البعث والحساب... تماما كما قال الله: " منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى." ... صدق الله العظيم
الأرض والدنيا والبيئة عناوين لنفس العَيْن ولذات الساحة والميدان، التي جعلها الله دار ممر لا دار مقر، إلا أن ما بعدها يتوقف عليها ومتعلق بها سلبا أو إيجابا، وجودا أو عدما... الأرض بهذا المعنى ومن المنظور الإسلامي ليست جمادا ، وإنما هي حياة متحركة ، تؤثر وتتأثر وتتفاعل ، وما قدر الله للإنسانية أن تحيى عليها إلا لأهليتها من جهة ، وأهلية آدم وذريته لعمارتها ورعاية شؤونها ، مصداقا لقوله تعالى : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة . "...
الأرض صورة من صور عظمة الله سبحانه ، ولذلك جعل ( البَرَكَةَ ) ملازمة لها ، مركوزة في طبيعتها ، وسمة من سماتها التي لا تفارقها . قال تعالى:" وبارك فيها، وقدَََّرَ فيها أقواتها في أربعة أيام. "... الأرض كائن متناسق بديع، عظيم جليل... إنها ( الدنيا ) بكل ما فيها من تراب وسماء، ومن شمس وقمر ونجوم، من جبال وأنهار وسهول وصحاري، من إنس ونبات وجماد وحيوان... إنها سِرٌّ من الأسرار ... إنها وبحق القرآن المشهود الذي يرى الإنسان العاقل على صفحاتها عظمة الخالق وجمال وجلال المبدع... قال تعالى:" والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين." ...
الأرض هي الوطن ، وهي الموئل الذي سَخَّرَ الله سبحانه للإنسان فيها كل شيء ، مصداقا لقوله : "ولقد مَكَّنَّاكُمْ في الأرض ، وجعلنا لكم فيها معايش ، قليلا ما تشكرون . "... من أجلها تنزف الدماء ، وتوهب الأرواح ... إنها ( قيمة ) قبل كل شيء وبعد كل شيء ... لا يدافع الإنسان عنها ، ولا يبذل في سبيلها الغالي والرخيص لأنها مصدر رزقه وقاعدة سكنه فقط ، بل لأنها فوق كل ذلك قطعة من كيانه ، لها قدسيتها ومكانتها السامية في نفسه وقلبه وروحه ... إنها جزء من منظومة مقدساته وثوابته ، بدونها لا وجود له على الحقيقة ، ومن غيرها لا كرامة له ولا شأن ... قال تعالى :" ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ." ... الأرض والإنسان بهذا وحدتان متصلتان في أصل الوجود وفي أهداف الحياة ... العلاقة بينهما تقوم على أصل روحي تعبدي جليل ، فالأرض تشترك مع الإنسان في عبادتها لله والانقياد لأمره ، والإذعان لقانونه وناموسه في خلقه ... قال تعالى : "أولمْ يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون . ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون . "...
رغم ما تتمتع به الأرض من صور الجمال والجلال والعظمة ، وما تتمتع به من شرف الطاعة والخضوع لقانون من خلقها فلا تحيد عنه ، إلا أن الله سبحانه قد جعلها ( مسخرة ) للإنسان لاعتبارات واضحة ، من أهمها تكريم الله له على كثير ممن خلق ، ولتمتعه بعناصر الأهلية التي أمده الله بها من اجل قيادة هذا الوجود وعمارته ورعاية شؤونه ، إن هو التزم بالحق والمنهج الذي جاءه من ربه ... قال تعالى : " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَيْنَ أن يحملنها وأشفقن منها ، وحملها الإنسان إنها كان ظلوما جهولا ." ... ويقول أيضا :" ولقد كرمنا بني آدم ، وحملناهم في البر والبحر ، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ." ...
إن تحقيق الغايات من هذه العلاقة بين الكون والأرض من جهة ، وبين الإنسان من جهة أخرى قائمة في الأساس على قواعد ثابتة لا بد منها حتى يحصل الانسجام وتتحقق السعادة المطلوبة من الحياة ، وتتحدد جهة القيادة في هذا الوجود ... لم يجعل الله سبحانه جهة القيادة لهذه الدنيا متعلقة بلون أو عرق ، وإنما جعلها ثمرة من ثمرات التزام منهج الله فقط ، وعلى النحو الذي جاءنا به النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ... فإن سألتم : فلِمَ نرى الكرة في هذا الزمان لغير المسلمين ، ولِمَ نرى الغلبة لهم والنصر من نصيبهم ، والقوة والازدهار والتقدم المدني من حظهم ؟؟!!... أقول هذه حقيقة ، ولكن الحقيقة الأخرى أنهم ما غلبوا لالتزامهم شرع الله فيكونون مستحقين لهذه الغلبة عن جدارة وأحقية ، فهم على عكس ذلك تماما ، إلا أنهم عقاب الله سبحانه سَلَّطَهُ علينا لحظة أدرنا ظهورنا لربنا ولشرعة ومنهاجه ، لعلنا نفيء إلى أمر الله ونعود إلى طريقه ونطبق قانونه ... هذه هي المعادلة ، وما من معادلة غيرها ... وكل مادون ذلك صراع على هامش الحقيقة لا غير ...
ذَمَّ رجل الدنيا بحضرة أحد الصالحين ، فقال له : ( أسكت ..!!! فإن الدنيا دار صدق لمن صَدَقَهَا ، ودار غَناءٍ لمن تزود منها ، ودار عافية لمن فهم عنها . هي مسجد أبينا آدم ومهبط وحيه ومتجر أوليائه . فاكتسبوا منها الرحمة وادخروا منها الجنة . ) ...
إن أرضا وعالما بهذه الصفات لحقيق أن يفتدى بالأرواح ، وأن يحمى بكل عزيز ... كيف لا وهي مدخلنا إلى الجنة ، وسُلَّمُنا إلى الخلود الأبدي ، وطريقنا إلى رضوان الله ... لذلك لم يكن غريبا أبدا أن يجسد الرسول الأكرم أعظم صورة لحب الأرض على اعتبارها الوطن والهوية ، حينما اضطر تحت ضغط إرهاب قومه وقسوتهم أن يخرج من مكة بلده الذي أحب ، فما لبث غير بعيد حتى وقف على مكان مشرف ، ثم نظر إلى مكة وعينه تدمع وقال : ( والله يا مكة إنك لأحب أرض الله إلى قلبي ، ولولا أن اهلك أخرجوني منك ما خرجت . ) ... ظل هذا الحب لمكة على قوته في قلبه عليه السلام وفي قلوب أصحابه وهم يعيشون في المدينة ، وكم عبروا عن هذا الحب في مناسبات كثيرة امتلأت بها كتب السير والتاريخ رغم السعة والسعادة التي تمتعوا بها في المدينة المنورة ، حتى حقق الله لهم العودة على بساط العبودية لله والخضوع الكامل لشرعة ...